حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

86

شاهنامه ( الشاهنامه )

مع عساكره وجموعه ، وتنازعوا الحرب مع الأتراك حتى التفت الرماح بالرماح . وكانت تلك الزحفة على غير مقتضي الحزم لما فيها من نزق لا يليق بحال الملوك في مثل ذلك الموقف . وعظمت النكايات على الإيرانية ، وظهرت مبادئ الغلبة للتورانية . فرجع كل واحد من الفريقين إلى مضاربهم بعد غروب الشمس . ولما هجم الليل دعا نوذر بولديه طوس وكُسَتَهم ففض عليهما ختام سره ، وذكر ما كان أبوه أخبره به عند موته من غلبة الترك إياه . وأمرهما أن يتوجها إلى صوب فارس ، وينطلقا على طريق إصبهان يستصحبان الرحم والنساء وما قدرا عليه من الخزائن ، ويصيران إلى جبل راوه من جبال ألبرز . وقال لعله ينجو من آل أفريدون اثنان . فانى لم أسمع بمثل هذا العسكر الذي خرج الآن من الترك ، وأعلم أنه لا قبل لنا بهم . وأمر هما بالرحيل على وجه لا يحس به العسكر لئلا تضعف قلوبهم . ثم ودعهما وبكت حتى اخضلت محاسنه بالدموع . حرب أفراسياب ونوذر المرة الثالثة قال : ثم أقام الفريقان كلاهما يومين مستريحين من غير حرب وقتال : فلما كان وقت تبلج الإصباح من اليوم الثالث اضطربت الآفاق بخفق الطبول ، وصهيل الخيول . فاضطر نوذر إلى الدفاع واللقاء . وكان أفراسياب قد بات ليلته تلك يعبى مقانبه ، ويرتب مياسره وميامنه . فبرزوا إلى الفضاء كالبحار المتلاطمة والسيول المتراكمة . وجعل نوذر يعبى صفوفه : فجعل قارَن معه في القلب وتليمان في الميسرة وسابور في الميمنة . فتدانت الصفوف وتزاحفت الجموع ولم يزل القتال بينهم إلى أن زالت الشمس مؤذنة بزوال دولة الإيرانية . فوقعت كسرة عظيمة على الميمنة حتى تزلزلت أقدامهم ونبا بهم مقامهم . وبقي سابور في خف من أصحابه وافقا لا يبرح ، ويرد تلك الحملات إلى أن قتل في موقفه ذلك . فانكشفوا وأحجم نوذر فردّ عنانه إلى دهستان ، وتحصن بالبلد . فبقى كذلك أياما يقاتل من وراء الحصار . ثم إن ّ أفراسياب نفذ كُروخان بن ويسه على طريق البرية إلى فارس في طلب نساء الإيرانية وذراريهم وخزائنهم وأموالهم . ولما بلغ الخبر بذلك إلى قارن تضرمت نيران غيرته وجاء إلى نوذر وأعلمه بذلك ، وقال الرأي أن أنهض وراءهم فأفل حدّهم ، وأذب عن الحريم . وليستقر الملك في هذا الحصار . فإن عنده الخزائن والأموال والعساكر . فلم يستصوب نوذر ذلك ، وقال لا بد لهذا الجمع من مرتب . وقد نفذنا طوسا وكستهم لكفاية هذا . وقد سبقاك إلى فارس فلا حاجة إلى